المقريزي
117
إمتاع الأسماع
أضغنوه عليه ، وكتبوا كتابا على لسان عدي إلى قهرمان ( 1 ) لعدي ، ثم دسوا له ، حتى أخذوا الكتاب ، ثم أتى به النعمان فقرأه ، فأغضبه ، فأرسل إلى عدي بن زيد : عزمت عليك إلا زرتني ، فإني قد اشتقت إلى رؤيتك ! وهو عند كسرى فاستأذن كسرى ، فأذن له ، فلما أتاه لم ينظر إليه حتى حبس في محبس لا يدخل عليه فيه أحد ، فجعل عدي بن زيد يقول الشعر وهو في السجن ، فكان أول ما قال في السجن من الشعر : ليت شعري عن الهمام ويأتيك بخبر الأنباء عطف السؤال فقال أشعارا ، وكان كلما قال عدي من المشعر ، بلغ النعمان وسمعه ندم على حبسه إياه ، فجعل يرسل إليه ويعده ويمنيه ويفرق أن يرسله فيبغيه الغوائل ، فقال عدي : أرقت لمكفهر بات فيه بوارق يرتقين رؤس شيب وقال أيضا : " طال ذا الليل علينا واعتكر ( 2 ) " وقال أيضا : " ألا طال الليالي والنهار " وقال حين أعياه ما يتضرع إلى النعمان أشعارا ، يذكره فيها الموت ، ويخبره من هلك من الملوك قبله ، فقال : " أرواح مودع أم بكر " ( 3 ) " وأشعارا كثيرة . قال : وخرج النعمان يريد البحرين ، فأقبل رجل من غسان ، فأصاب في الحيرة ما أحب . ويقال : الذي أغار على الحيرة فحرق فيها ، جفنة بن النعمان الجفني ، فقال عدي : سما صقر فأشعل جانبيها وألهاك المروح والعزيب ( 1 )
--> ( 1 ) القهرمان : أمين الملك وخاصته ، فارسي معرب ، ويطلق في لغة الفرس على القائم بأمور الرجل ، كالخازن والوكيل . ( 2 ) وعجزه : وكأني ناذر الصبح سمره . ( 3 ) وعجزه : لك فاعمد لأي حال تصير .